ملا محمد مهدي النراقي
315
انيس المجتهدين في علم الأصول
ثبوته وكون الامّة مثله ، ومجرّد ذلك لا يدلّ على أنّ كلّ فعله واجب علينا ، بل إثبات الوجوب علينا يتوقّف على العلم بوجوبه عليه ، والمفروض هاهنا خلافه . واحتجّ أيضا بأنّ الاحتياط يقتضي حمله على الوجوب ؛ ليأمن الإثم قطعا ، كما في صلاة نسيها ولم يعلمها بعينها . وجوابه : أنّ كلّ احتياط ليس واجبا ، بل موارده مختلفة ، والواجب منه إنّما هو فيما ثبت وجوبه ، وعلم اشتغال الذمّة به يقينا ، كالصلاة المنسيّة ، أو كان ثبوته هو الأصل ، كصوم الثلاثين من رمضان إذا شكّ فيه ؛ إذ الأصل بقاؤه حتّى يعلم المزيل . وأمّا فيما لم يثبت وجوبه ولم يكن ثبوته هو الأصل ، فليس الاحتياط فيه واجبا ، سيّما إذا كان ثبوت خلافه هو الأصل كما نحن فيه ، بل الاحتياط حينئذ مستحبّ على الأقوى ، كما يجيء تحقيقه مفصّلا « 1 » . هذا ، ويرد عليه : أنّه إذا كان اتّباعه في جميع ما فعله ولم يعلم جهته واجبا علينا ، يلزم كون فعل واحد واجبا وندبا أو مباحا علينا ؛ للقطع بأنّ بعض ما فعله ولم يعلم جهته ندب ، أو مباح . والتزام أنّ جميع ما فعله ممّا لم يعلم جهته فعلى وجه الوجوب ، بعيد عن الحقّ . واحتجّ المتوقّف بأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان يفعل العبادة الواجبة والمستحبّة ، والمفروض عدم الإشعار للفعل بوجهه الذي وقع عليه ، فيتساوى فيه الاحتمالان ، ومعه يلزم التوقّف « 2 » . وقد ظهر جوابه ممّا ذكر « 3 » . وكيفيّة التفريع : أنّه كان اللازم - على ما اخترناه - الحكم باستحباب الموالاة في الطهارات الثلاث ، وفي الطواف والسعي ، وخطبة الجمعة والعيد ، والقيام في الخطبة ، والمبيت بمزدلفة ، إلّا أنّ كلّ ذلك ثبت وجوبه عندنا بدليل من خارج ، سوى الموالاة في الغسل ؛ فإنّ الحكم فيها موافق القاعدة . وقس عليها أمثالها .
--> ( 1 ) . في باب الاشتغال . ( 2 ) . حكاه العلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأصول 2 : 551 . ( 3 ) . آنفا .